10.17.07
أوهام التميز: رؤية في متطلبات الحوار المثمر
كتب: سيد كامل الهاشمي 14-6-2006
من سيئات التفكير الإنساني عند الكثير من الناس الشعور بالتمايز عن الغير، لأن هذا الشعور يجسد هوة وفجوة كبيرة تعيق التواصل بين الإنسان وأخيه الإنسان، ومن هنا كان دأب الإسلام -الذي إنما جاء كدين يستهدف توحيد وجمع الناس كلهم على كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة- على إزاحة وإلغاء هذا الشعور، منطلقاً في ذلك من مبدأ أساسي وأولي في غاية البساطة، وهو كون الناس كلهم خلق الله وعباده، وأن الله تعالى ربهم جميعاً مهما اختلفت أديانهم وأجناسهم وألوانهم وأعراقهم، وفي هذا الإطار جاءت تلك المحاولة القرآنية لبناء العلاقات الإنسانية ضمن توحيد البشر تحت عنوانهم الإنساني رغم الاعتراف بوجود التمايزات في اللون واللغة والجنس، فقال سبحانه وتعالى: ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( [الحجرات 13].
ويستعيد الرسول الأكرم (ص) في ما يحمله من رسالة إلى الناس التذكير بنفس هذا المبدأ، حينما يخاطب المسلمين بالقول: (أيها الناس، “إنما المؤمنون إخوة” ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فلا ترجعن كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس، إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد الغائب) [تحف العقول، ابن شعبة الحراني، ص 34].
وفي السياق نفسه عمل الرسول الأكرم (ص) على تهميش نوازع الجاهلية التي كانت تحتدم في النفوس لحظة مجيئه إلى ذلك المجتمع الذي كان يوغل في التفاخر بالأنساب والأحساب، وهو الأمر الذي تشير إليه الكثير من مواقفه (ص)، فـ(عن جعفر بن محمد، عن آبائه في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام قال: يا على آفة الحسب الافتخار، ثم قال: يا علي إن الله قد اذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إن الناس من آدم، وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم) [وسائل الشيعة (آل البيت)، العاملي ج 61، ص 43].
وفي ضوء هذه النظرة الإسلامية للإنسان التي ترفض أيّ تفضيل لإنسان على الآخر عبر تمايزات وهمية تفرّق بين الإنسان وأخيه الإنسان، مستحدثة شروخات اجتماعية عميقة في المجتمع البشري، فإن الإسلام حدّد دائرة الشراكة بين البشر ضمن مستويين هما:
أولاً: دائرة الشراكة العامة: وهي التي في ضوئها وتحتها يندرج كافة البشر، ولا يجوز بمقتضاها أن يستحقر إنسان إنساناً، أو أن يمايز بين ذاته وبين الآخرين، فكل الناس عبيد مخلوقون ومملوكون لرب واحد، لا إله لهم سواه، وإلى هذه الشراكة المبدئية أشار تعالى بقوله: ) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ( [الإسراء 70].
فالإنسان إذن مكرم ومعزز بمقتضى ما يتوفر له من عقل أضحى بموجبه موجوداً حراً، ومسئولاً في الوقت نفسه، والحرية والمسئولية اللتان يتمتع بهما الإنسان دون بقية الحيوانات هما ما تضفيان عليه قيمة خاصة لأنهما تجعلان منه موجوداً متميزاً، قادراً على تحمل المسئولية وأدائها بحرية واختيار وتعقل، ولأجل ذلك تحمّلها منذ اللحظة الأولى التي عرضت عليه دون بقية الموجودات، وهو ما نلمح الإشارة إليه في قوله تعالى: ) إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ( [الأحزاب 72].
وهذا التميّز الذي يحظى به الإنسان من الطبيعي أن يقتضي تمايزاً ويستوجب تفضيلاً على بقية الموجودات التي لا تحظى بسمتي الحرية والمسئولية، وعدم التفضيل هنا خلاف مقتضى العدل الإلهي، فلأجل ذلك كان الإنسان مكرماً ومفضلاً على كثير من الخلق، وفي ضوء هذا التفضيل نفهم سبب التفضيل في الدائرة الثانية للشراكة الإنسانية، وهي:
ثانياً: دائرة الشراكة الخاصة: وهي التي تكون بين أهل الدين الواحد، فللإيمان حقوقه ومقتضياته، وللشراكة في العقيدة مستلزماتها، ولذا قال سبحانه: ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ… ( [الحجرات 10]، وهذه الشراكة الخاصة والتي تستلزم حقوقاً خاصة بين المؤمنين والمسلمين من أصحاب العقيدة والدين الواحد، تثبت بمقتضى أن قبول التدين بدين الله الذي هو الإسلام، والذي هو اسم عام للتسليم والخضوع والانقياد لله عزّ وجلّ هو حق ثابت لله تعالى، وهو واجب إنساني لا يصح التخلي عنه أو الانتقاص منه، فمن أجل ذلك يستحق من يلتزم بهذا الحق الذي هو على طبق مقتضى العدل التفضيل والتميّز عن غيره، ممن يتنكر لهذا الحق ولا يلتزم بمقتضياته ومتطلباته، ولأن ذلك مقتضى العدل قال تعالى: ) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ w مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( [القلم 35-36]، وقال: ) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ( [السجدة 18].
إذن هذا التمييز أو التفضيل بين المؤمن بالدين الحق والكافر به هو تفضيل على مقتضى العدل، كتفضيل الإنسان على سائر الحيوانات لما يتمتع به من عقل وإرادة وحرية.
نعم .. هاتان الدائرتان من الشراكة لا فرق بينهما على مستوى استحقاق العدل، وهو ما عناه الإمام علي (ع) في قوله لمالك الأشتر: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم. ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق).
فقد أراد الإمام (ع) أن يوجه مالكاً بعد أن ولاّه مسئولية الحكم والإدارة على مصر إلى أهمية أن يكون العدل والإنصاف ميزانه الأول في التعامل مع مواطنيه، سواء كانوا من أهل دينه الذي هو عليه، أم كانوا من أهل الديانات الأخرى، فإن حقوق المواطنة تفرض عليه مراعاتهم والقيام بشؤونهم ومتطلباتهم على حدّ سواء مع غيرهم، ولا شك أن تزوّد الحاكم وصاحب السلطة السياسية بهذا الفهم يفتح أمامه الباب لرفض أيّة محاولة تمييز بين مواطني دولته ومملكته على أساس قبلي أو عائلي أو حتى ديني، لأننا نتحدث عن وظيفة الحاكم في ما يرتبط بتحقيق العدل والعمل به، وهي وظيفة لا يفرق في القيام بها على أيّ أساس أو وضع، ومن هنا أمرنا الباري تعالى بالتزام القسط والعدل حتى مع الأعداء ومن لا نحبهم ولا نتفق معهم في عقيدة ورأي، فقال سبحانه: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( [المائدة 8].
ولأن الإسلام أراد أن يؤصل الإحساس بوحدة الإنسان فقد نهى عن إبداء التمايز في ما يريد الإنسان أن يقيمه من علاقة ورابطة بينه وبين الآخر، حتى لو كان هذا الآخر على ضلال أو خطأ في نظره، وهو ما نفهمه من قول الله تعالى: ) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( [سبأ 24].
فمن خلال هذا المنهج القرآني الذي يفترض أن الحقيقة يمكن أن تتواجد في موقف الخصم بالمستوى الذي يمكن أن تتواجد في موقف الإنسان نفسه، يستهدف القرآن المجيد بناء قاعدة مشتركة للحوار والتواصل المثمر، ولا يمكن أن تتأسس هذه القاعدة التي ينطلق منها الحوار بين الأطراف المختلفة في ظل زعم كل طرف من أطراف المواجهة والحوار أنه على حق، وأن الآخر على باطل، لأن الحوار والتفاوض لا يمكن أن يتمّ حول أمور محسومة لا تقبل الأخذ والرد، وهذه إشارة رائعة في دراسة فن التواصل والإقناع والحوار، كما أنها منهج متحضر للغاية في فهم ضرورات إدارة الحوار وعوامل إنتاجه، وفي هذا السياق يمكننا النظر إلى هذا المبدأ القرآني الذي أراد من الإنسان أن يفتتح الحوار بينه وبين الآخر عبر إلغائه الشعور بالتمايز عنه بوصفه ركنا أساسياً في الممارسة العملية الواعية والهادفة، والتي تعترف بأن من أهم وأول متطلبات التفاوض والتحاور هو التكافؤ في المواقع، فالحوار والتفاوض في أيّ أمر لا يمكن أن ينجح عبر التفاوض من موقعين غير متكافئين، وهو الأمر الذي تفصح عنه “فيلس بيك كريتك” في كتابها عن “التفاوض من موقعين غير متكافئين” حينما تقول في ص 69: (تواجه المفاوض لحل نزاع ما تحدّيات، أهمها تهيئة طاولة المفاوضات، ثم ضمان توازن وتكافؤ هذه الطاولة. والهدف من هذه العملية التمهيدية هو زيادة إمكانات النجاح أمام المهمة الحقيقة لحل النزاع وهي عملية المفاوضات)، وتضيف قائلة في ص 70: (علينا أن نحاول ضمان التوازن والعدل في المفاوضات التي تهدف إلى التوصل إلى تسوية في قضية ما. وإن عدم توازن الطاولة مؤشر على إخفاق تحقيق هذا الهدف).
وهذا الفهم للدور السلبي للشعور بالتمايز عن الغير وكونه معيقاً لعملية التواصل والحوار بين الإنسان وأخيه الإنسان يعمد بعض السلف الصالح لوضع معالجات عملية له في المجال النفسي والشعوري، باعتباره المجال الذي يتعزز ويتجذر فيه هذا الشعور البغيض، فيقول الإمام علي بن الحسين السجاد (ع) لأحد أصحابه في بعض وصاياه: (وإن عرض لك إبليس لعنه الله أن لك فضلا على أحد من أهل القبلة فانظر إن كان أكبر منك فقل قد سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإن كان أصغر منك فقل قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني، وإن كان تربك فقل أنا على يقين من ذنبي وفي شك من أمره، فمالي أدع يقيني لشكي) [المجلسي، بحار الأنوارج71، ص157].
إن واقع الحراك الحواري بيننا نحن البشر لا يمكن أن يتعزز أبداً في ظل تفاقم شعور كل منا بتمايزه عن الآخر، بل كلّما تأصل وتعمق هذا الشعور في عقولنا ونفوسنا اتجهنا أكثر فأكثر للتقاطع والتباغض، ومن ثمّ للتحارب والتقاتل، وما نفتقده اليوم من أجل بناء حوار جدي بين الأفراد بعضهم البعض، وبين الجماعات والأفراد، وبين الأفراد أو الجماعات والحكومات، وبين الحكومات مع بعضها البعض، وبين الحضارات والثقافات، هو أن هذه المظاهر الحوارية التي تنطلق الدعوة إليها من أكثر من موقع داخلي وخارجي، ترفض أن تستند إلى قاعدة مشتركة يقف عليها المتحاورون بشكل متساو مهما اختلفت انتماءاتهم وتوجهاتهم ، مما يحوّل هذه الحوارات إلى مشاريع فاشلة تنتهي إلى القطيعة والحرب، أو أنها تستمر متسترة بالنفاق الذي يفرض على الضعيف مسايرة القوي، من دون أن يمتلك الحرية في رفض ما تمليه عليه إرادة القوي.
سيد كامل الهاشمي
14/6/2004