09.24.07

خيارات 14 آذار – إبراهيم الأمين 24-9-2007

نشرت تحت تصنيف Lebanon, من هنا وهناك في 1:13 م بواسطة 3aneed

 

السعودية تضمن «الثلاثاء».. ولا تضمن خيارات 14 آذار اللاحقة كثيرون يعتقدون أن قوى 14 آذار كانت أكثر ارتباكاً إزاء مبادرة الرئيس نبيه بري حتى لحظة اغتيال النائب أنطوان غانم، حتى إن بعض من التقى النائبين وليد جنبلاط وسعد الحريري قبل حصول الجريمة شعر بأن هناك فرصة جدية لإنعاش مبادرة رئيس المجلس، برغم البيان الذي صدر عن اجتماع 14 آذار في بكفيا.
لكنّ المتصلين أنفسهم يعتقدون أن الأمور اختلفت بعد الجريمة، وأن مستوى التطلّب عند هذين القطبين وعند آخرين من الفريق نفسه ارتفع كثيراً، وأن هناك خشية جدية من أن يُقدم هذا الفريق على عملية انتخاب رئاسية من طرف واحد، ما يدفع المعارضة إلى خطوات مقابلة ويضع البلاد كلها أمام خطر الانقسام والمواجهة.
وحتى الجمعة مساءً، كان الرئيس بري وآخرون من فريق المعارضة يُظهرون درجة عالية من القلق إزاء لجوء الفريق الأكثرية الى الخطوة المجنونة، ما دفع بالبعض البارز الى إجراء حركة اتصالات واسعة من النوع الذي يستهدف معرفة ما إذا كان الموقف الخارجي وتحديداً السعودي والأميركي داعماً لهذا التوجّه، وخصوصاً أن معلومات كانت قد وصلت الى أقطاب المعارضة عن كلام واضح ومباشر قاله السفير الأميركي جيفري فيلتمان عن أن 14 آذار سوف تختار رئيساً من صفوفها، وأن الأمر سوف يتم رضيَ الآخرون أو لم يرضَوا.
لكن السفير السعودي عبد العزيز خوجة قدّم مقاربةً تشير الى العكس، وهو إن تجنّب مقاربة فكرة ما للحل الشامل، وقال كلاماً لا يُشتمّ منه وجود رغبة سعودية في إطلاق برنامج اتصالات أو مبادرة معيّنة، فقد أكد أن ما لديه من معطيات لا يشير الى نية فريق الأكثرية القيام بعملية انتخابية يوم الثلاثاء، لا في المجلس النيابي ولا خارجه، وهو طلب من رئيس المجلس العمل على تنفيس الاحتقان، وتمنى عليه أن يجري اتصالات مباشرة بكل من الحريري وجنبلاط والسنيورة إذا أمكن، إلا أن رئيس المجلس وجد أن واجب التعزية ضروري لكل من الحريري وجنبلاط، وتجنّب بالتالي التحادث مع رئيس الحكومة، فيما كان بين يديه معلومات عن نية جنبلاط تأجيل مؤتمره الصحافي، وبالتالي فهو وضع اتصاله به في خانة التهدئة، والكلام الذي جرى بين الرجلين في المكالمة، وإن اتّسم بتبادل هواجس فإنه تضمّن رغبة في التواصل، علماً بأن الأمر لا يزال رهن الخطوات اللاحقة.
ومع أن التداول باحتمال لجوء الأكثرية الى خطوة من طرف واحد في المجلس نفسه او فندق الفينيسيا أو في أي مكان آخر، إلا أن الأمور ظلّت مكانها حتى تلقّت قوى الأكثرية معلومات عن نية المعارضة التحرك، ومنع أحد من فرض سلطته على اللبنانيين جميعاً، وإزاء تلقّي 14 آذار تحفّظاً يوازي الرفض الدولي لطلب إرسال شرطة دولية الى بيروت، فإن التدخّل السعودي المباشر أسقط فكرة اللجوء الى انتخاب رئاسي من طرف واحد خلال اليومين المقبلين، لكنّ بري الذي سيدعو الى تأجيل الجلسة حتى موعد آخر، يُفترض أن يكون في 16 تشرين الأول المقبل، وعد السعودية كما الرئيس أمين الجميل أن يباشر سريعاً مشاوراته، وهو سيزور البطريرك الماروني نصر الله صفير في أسرع وقت، على أن يتم الاجتماع بينه وبين الحريري بعد ذلك، دون أن يكون هناك أي موعد مقرّر مع النائب جنبلاط.
لكن المعارضة التي لا تثق تماماً بما يجري، تعرف أن الأمور تحتمل درجة أعلى من التهويل، وهي لذلك تعاملت ببرودة مع الكلام العالي لفريق 14 آذار عن الوضع الأمني وسط بيروت، وأبلغت القادة الأمنيين المعنيين أنها ليست في صدد تفكيك خيم الاعتصام، وأنها لن تقبل أن يعمل أحد على رفعها بالقوّة، وطلبت هي الأخرى من القوى الأمنية تحمّل مسؤولياتها في هذا الصدد، وهو ما دفع بقيادة الجيش إلى قرار نشر قوات إضافية في وسط بيروت من أجل ضمان عدم حصول احتكاك بين المعتصمين والنواب أو أي جمهور يرافقهم.
أمّا في الجانب السياسي، فيقول مصدر قريب من رئيس المجلس إن في فريق 14 آذار من يعتقد أنه إذا مرت جلسة الثلاثاء من دون نصاب الثلثين فإن بمقدور الأكثرية التعامل معها على أنها الجلسة التي توجب نصاب الثلثين، وإذا ما تعذّر تأمين ذلك بفعل مقاطعة سياسية من الآخرين فإن على 14 آذار أن تبادر إلى التصرف بحرية، والقول إن الدستور يجيز لها عقد جلسة بالنصف زائداً واحداً، وأن يتم الانتخاب بمن حضر. وعُلم في هذا الإطار أن الضغوط التي تمارس على نواب التكتل الطرابلسي الذي يرأسه الوزير محمد الصفدي، وعلى نوّاب آخرين تهدف الى إلزامهم حضور الجلسة، ما يعني توافر أكثر من نصف أعضاء المجلس في جلسة الانتخاب، وإذا أُعلن افتتاح الجلسة، فلا تعود كمية الأصوات التي ينالها المرشح أمراً مهماً، لأن من قد يعترض ليس من النوع الذي يمكنه حجب أكثر من ستة أصوات، وعليه فإن فريق المعارضة يرى نفسه أمام أسئلة كبرى عن الخطوة الواجب اتّباعها واللجوء إليها في حال إصرار فريق 14 آذار على تجاهل الدعوات الوفاقية والسير بالانتخابات دون الوقوف على رأي الآخرين.
وحسب مصادر في المعارضة، فإن النقاش تطرّق الى مسائل كثيرة منها:
أوّلاً: العمل على تفعيل الاعتصام والتحرك الشعبي في بيروت والمناطق، رفضاً لانفراد الأكثرية بانتخاب رئيس دون الحصول على إجماع اللبنانيين، وبالتالي خلق مناخ شعبي وسياسي ونفسي يكون مقدمة لقرار المعارضة عدم الاعتراف بهذا الرئيس ولا بأي حكومة تأتي معه.
ثانياً: التدارس في إمكان اللجوء الى انتخابات رئاسية من طرف ثان، ووفق الاجتهاد الدستوري نفسه الذي لجأت إليه قوى الأكثرية، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بإيصال مرشّح المعارضة الى الرئاسة، وإلى قصر بعبدا وتمكينه وحكومته من تسيير أمور إدارات عديدة في الدولة.
ثالثاً: الاستعداد لتحركات شعبية من النوع الذي يظهر للعالم أن الاعتراف برئيس يرفضه أكثر من نصف اللبنانيين سوف يكون أمراً خطيراً، وله تبعات سلبية كثيرة، والشروع في خطة عمل من النوع الذي يهدد فريق الأكثرية بصعوبة حكم البلاد تحت أمر واقع.
رابعاً: إعداد سلة مقترحات بينها ما يأخذ بعين الاعتبار رغبة فريق من قوى 14 آذار وجهات عربية ودولية في أخذ البلاد نحو التصعيد والمواجهة الشاملة، وهو الأمر الذي يتطلب حسابات دقيقة، لكنها تقوم على فكرة أن 14 آذار عطّلت التوافق وعليها تحمّل المسؤولية

رئيس الانشقاق لا يحكم – طلال سلمان – 24/09/2007

نشرت تحت تصنيف Lebanon, من هنا وهناك في 12:21 م بواسطة 3aneed

علّمتنا التجارب، وغالباً ما كانت ثقيلة الوطأة، أن نحترم الثوابت التي أقيم عليها هذا الكيان السياسي الشديد التعقيد الذي اسمه «الجمهورية اللبنانية»، خصوصاً أن تجارب الخروج عليها قد انتهت بكوارث وطنية.

أول الثوابت وأخطرها أن «الخارج»، عربياً بالأساس، ومن ثم دولياً، هو بين عناصر التكوين. إنه «داخلي» جداً، لا يمكن تجاهله أو إغفال تأثيره على هذا الكيان.
لذلك فالوطنية في لبنان لا ترى عيباً في العلاقة مع «العربي»، سورياً بالأساس ومصرياً في الماضي وسعودياً في الحاضر، بل ترى فيها تثبيتاً للكيان وعنصر استقرار في الحياة السياسية، لا سيما أنها توازن النفوذ الأجنبي الذي يتناقص أو يتزايد بحسب القيمة السياسية للعرب ومدى تأثيرهم في السياسة الدولية أو التحاقهم بالأقوى.
ومنذ قيام هذا الكيان تعوّد اللبنانيون أن يتقبّلوا حصة للخارج في رئاساتهم وفي حكوماتهم، كما في اقتصادهم وتعليمهم وفي أنشطتهم المختلفة التي يشكّل «الخارج» ميدانها الأرحب، عربياً بالأساس، ومن ثم في أفريقيا، وإن ظل للغرب ـ فرنسا ثم بالشراكة مع بريطانيا ـ في فجر الاستقلال، ثم أميركياً، ابتداءً من الخمسينيات، حصة داخل الحصة.
ولبنان هو المتضرّر الأكبر، في توازناته الدقيقة، إذا ما تناقص الدور العربي فيه، لأن المستفيد الأوحد في هذه الحالة سيكون النفوذ الأميركي، مع ما يتضمنه هذا النفوذ من حصة طاغية للمصالح الإسرائيلية..
وهكذا تصبح المعادلة واضحة جداً، بل قاسية جداً: كل تراجع في الدور العربي في لبنان سيزيد من النفوذ الأميركي إلى حد الهيمنة، وسيزيد من إضعاف لبنان في وجه الأطماع الإسرائيلية… أي أن العرب يخسرون مرتين ويدفع لبنان كلفة هذه الخسارة للشريكين المتكاملين: الأميركي والإسرائيلي.
والأزمة اللبنانية الراهنة هي، في بعض وجوهها، نتيجة انكسار هذا التوازن، بل انقلابه، بحيث صارت الحصة الأميركية (الإسرائيلية) وازنة بحيث تهدد المعادلة الدقيقة التي يقوم عليها الكيان.
ومع اعتلال العلاقة مع سوريا واضطرابها الذي كاد يصل حد القطيعة، لا سيما في غياب الدور المصري الذي كان ـ على امتداد الخمسينيات والستينيات حاسماً ثم انقلب على طبيعته فاندثر أو كاد ـ تطلّع اللبنانيون إلى السعودية التي وجدت نفسها مطالَبة بدور كانت تتجنّب أن تُلزم نفسها بموجباته الثقيلة، حتى إذا استوثقت أن لا أحد، من العرب أو من الدول، يعترض عليه، أقدمت ولو بغير حماسة، ربما لأنها تعرف ـ بتجربة الآخرين ـ أن الأرض اللبنانية مزروعة بالألغام.
ثم إن المملكة، التي تريد لنفسها صورة «المرجعية الإسلامية» الجامعة والتي تراها بديلاً من «العروبة» التي تستريب في «غربية» أصولها وفي كونها انفصالاً عن الدين الحنيف، كانت تدرك أن لبنان أرض اشتباك عربي ـ عربي، وعربي ـ دولي، حتى من قبل أن تنجح إيران في أن تنتزع لنفسها «دوراً شرعياً» فيه بعد الثورة الإسلامية المجاهرة بالعداء لعدو العرب القومي، (والديني) إسرائيل، والتي اتخذت لنفسها شعاراً «زحفاً زحفاً حتى القدس».
كذلك فإن المملكة التي لا تريد ولا تقدر على مواجهة الإدارة الأميركية، وجدت أن لبنان يتحوّل تدريجياً إلى «حقل رماية»، سرعان ما تورّط فيه العالم أجمع: الغرب، بالقيادة الأميركية والإسناد الفرنسي (بعد تقاعد بريطانيا بلير) وسائر أوروبا، ومن ثم «الشرق» بدءاً بسوريا وصولاً إلى إيران، مع موقف مترقب تلعبه روسيا في محاولة لأن تربح من خسائر الطرفين… وها هي الصين تتقدم لتقارب الموقف الروسي، مما يشكّل لوحة مختلفة للتوازنات عمّا كان مألوفاً في السنوات القليلة الماضية.
[ [ [
ربما لأن تعقيدات الوضع في لبنان قد تفاقمت خطورة ففضحت العجز العربي، بل الغياب العربي وانعدام الدور العربي المشغول في كل من أقطاره الفقيرة بهمومه الثقــيلة، أما في أقطــاره الغنية فباستثماراته وتقلبات البورصة، لم يعــد المواطن العربي ـ أو حتى المسؤول ـ يسألك حين تلتقــيه عن أخــبار لبنان، ويهتم بأن يشارك في تحليل التطورات المرتقبة، بل هو يكتفي في الغالب الأعم بسؤال هو أقرب إلى رفع العتب منه إلى الاهتمام الجدي: يبدو أن لا حل للأزمة في بلادكم، أليس كذلك؟!..
وقد يستدرك فيقول بلهجة اللوم: اتقوا الله في بلادكم الجميلة يا أخي وارحمونا… إن حروبكم فيها هي حرب علينا… إنكم تشرّدوننا في أربع رياح الأرض بينما لا نريد إلا لبنان. لكأننا نحبه أكثر منكم!
[ [ [
ماذا عن الغد؟!
إنه لأمر طيب أن تكــون الأكــثرية التي لا تستــطيع الادعاء أنها حقاً أكثرية قد خفّفــت من حــدة استــفزازها للأقلية التي لا يمكن اعتــبارها أقلية، بحــيث تقوم «هدنة» يستعيد فيها العقل دوره، فضلاً عن الحســابات البــاردة للمصالح، فلا يذهب أحد إلى معركة الرئاســة بوهــم أنه يستطيع أن يفوز فيها «بالضربة القاضــية» ملحقاً بخصمه الهزيمة النكراء!
فلقد علّمتنا التجارب أن رئيس الانشقاق لا يحكم.
وعلّمتنا كذلك أن الرئيس المفروض بالقوة، وهي لا تكون إلا أجنبية، لا يحكم.
ثم إن رئيس الجمهورية لن يحكم بشخصه، بل إن مجلس الوزراء هو مرجعية السلطة ومصدرها..
فلماذا العراك على ما لا بد من التفاهم عليه؟!
لماذا نخسر من الزمن ومن الجهد ومن قيمة لبنان ودوره الحيوي والمطلوب، طالما أن أي فريق لا يمكنه أن يحقق النصر بالضربة القاضية؟!
إن إرجاء العملية الانتخابية قرار حكيم… فلعلنا نستطيع أن نختلس توافقنا الداخلي، بما يتناسب مع حاجتنا الملحة، ومع مصالحنا الحيوية وأولها وأخطرها أن يبقى لبنان، وأن يبقى موحداً، وأن تبقى فيه جمهورية تستحق كل هذا الصراع المهول على رئاستها
وفي التجارب أيضاً ما يرشدنا إلى ضرورة أن يكون الرئيس موضع تلاقي المختلفين لكي يمكنه أن يحكم، أي أن يكون حامي الجمهورية ـ بشعبها ومؤسساتها ـ باعتباره نقطة التوافق، قبل أن يكون حامي دستورها الذي أفقده اختلافنا على تفسيره الاحترام الذي يتوجب أن يكون لآخر ما تبقى من جدارتنا باحترام أنفسنا فكيف باحترام العالم.

http://www.wa3ad.org/index.php?show=news&action=article&id=12644

09.17.07

أميركا تجمّد ملف لبنان بانتظار الحرب المقبلة هل نحن على شفير 67 ثانية أم 73 ثانية؟

نشرت تحت تصنيف Lebanon, من هنا وهناك في 9:39 م بواسطة 3aneed

بالطبع لن يكون السؤال: هل نحن أمام 82 ثانية أم 2006 ثانية، لأن ما بدر منذ نهاية حرب تموز الماضية لا يقود الى الاستنتاجات التي تفيد بأن إسرائيل جاهزة اليوم لشن حرب جديدة على لبنان، وإن كان جيشها جاهزاً للدفاع ضد أي هجوم يخشى الاسرائيليون أن يتعرّضوا له من هنا أو من هناك. إلا أن السؤال الاقليمي أكثر حضوراً من أي وقت سابق، لأن الموقف الحالي لا يتصل بما ترغب فيه القوى الثانوية أو التي حوّلت نفسها الى دول ثانوية لا تقرر بل تتلقى، وهذه المرة قد لا يقتصر الأمر على تلقي تعليمات بل، ربما، على تلقي صدمات من النوع الذي يسقط أنظمة وحكومات وقادة.
في لبنان بدا الامر واضحاً لهذه الناحية، في فريق 14 آذار أقطاب من الذين يمكنهم نقل الملف من مكان الى مكان، لكن هؤلاء هم بالضبط من يتحدث عن السيناريو الاسود. وهؤلاء يكررون اليوم، وبوقاحة لم تظهر حتى في تموز 2006، أن الحرب المقبلة في المنطقة ستغيّر كل الوقائع، وهم يبالغون في الحديث عما يملكون من معطيات ومعلومات عن أن الحرب الجديدة ستستهدف سوريا أولاً، وستظهر نتائجها خلال أيام لا خلال اسابيع، وستنهار كل الجبهة السياسية والعسكرية والمدنية التي تتصل بواقع النظام السوري اليوم.
ويصمت الأقطاب قليلاً قبل أن يوضحوا لمن في دوائرهم الضيقة، أن الأمر قد لا يتأخر، وبالتالي لا داعي للاستعجال في أي تسوية داخلية، ولا في تسوية ذات بعد إقليمي.
سعد الحريري الذي رافق رئيس المخابرات السعودية مقرن بن عبد العزيز الى باكستان، تصرّف بطبيعية غير مسبوقة. كان واثقاً من أنه لن يطالبه أحد في لبنان بهذا الشكل من الظهور. هو متأكد من أن في فريق 14 آذار من يعملون عند مقرن بن عبد العزيز، وأن بينهم من فتح فمه ليغمض عينيه. وفي الطرف الآخر، يراهن الحريري على استمرار الخشية عند قوى المعارضة من محاولة جرّها الى فتنة داخلية. لكن الحريري نفسه، يعرف أن في الدول العربية، والغربية أيضاً، من يتحدث ويكثر من الكلام، وأن ما خص التنسيق القائم حالياً بشأن موقع لبنان في الخريطة التي ترسمها إدارة الرئيس جورج بوش للمنطقة، ولو في آخر سنة من ولايته، بات في متناول كثيرين. ثم هناك ما يجري على الارض، بغية القول إن الأمور تتجه صوب صدام عنيف، لن يكون لبنان فيه سوى قطعة صغيرة من البازل الذي يسعى الأميركيون الى تركيبه من جديد.
لكن ما الذي يحصل؟
تعامل كثيرون في لبنان مع الغارة الاسرائيلية على سوريا بشيء من الاستخفاف، أو تورّط البعض منهم في لعبة التجاهل على قاعدة أن الأمر لا يعدو كونه اختباراً من النوع الذي لا يشغل البال. في إسرائيل كان واضحاً أنهم راهنوا على صمت سوري، وأن في مقدورهم تنفيذ مثل هذه العملية من دون الحاجة الى الاعلان عنها أو عن نتائجها، وأن سوريا لن تحشرهم في زاوية يقصد منها تحميل إسرائيل المسؤولية عن نتائج هذا العدوان. لكن سوريا سارعت الى الإعلان عن الحادث، ورسمت له سياقاً من النوع الذي لا يقفل الباب على أية احتمالات، وحتى التصريحات التي نسبت الى نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد تم تصويبها. وبدل أن تكون سوريا غير معنية بالتصعيد صارت على استعداد للرد على هذا العدوان، وهو الأمر الذي بات جزءاً من تركيبة ما بعد حرب تموز الماضية. وبقدر ما استفادت سوريا من نتائج صمود المقاومة في لبنان وانتصارها، باتت ملزمة بمسار لا يشبه مساراتها السابقة، وهو الأمر الذي عجّل من عملية تحديث القوات المسلحة هناك، وبناء قوة قادرة على تحمّل المسؤولية متى دقت ساعة العمل.
في إسرائيل تصرفوا على أساس أن الإعلان السوري هو نوع من الالتزام بالرد. وهو أمر صحيح. لكن الاستنفار العسكري والامني والسياسي القائم الآن لدى العدو، لا يرتبط بمعلومات محددة، بقدر ما يعبّر عن الشعور بأن العدوان الذي نفذ على سوريا يستوجب الرد، وأن الاتكال على لامبالاة سورية، لم يعد منطقياً، ولذلك فإنه برغم كل أشكال الرقابة المشدّدة على الإعلاميين والسياسيين في إسرائيل، يتركز الكلام المباح على ضرورة التأهب لردّ سوري، أقله لن يكون متوقعاً.
ولكن، هل تنتظر إسرائيل رداً سورياً من أجل المبادرة الى حرب واسعة؟ هل تريدها أميركا في مهمة شرق أوسطية جديدة بعدما فشلت في عام 2006. وهل يشعر إيهود أولمرت وقادة الجيش هناك بأن القرار الأميركي بحماية مواقعهم جعلهم، مثل كثيرين من الحكام العرب، يعيشون على الدعم الاميركي فيصبحون رهائن. وبالتالي هل بات أولمرت مثل محمود عباس وآخرين من قادة المنطقة رهن إشارة الولايات المتحدة؟
الأكيد أن إسرائيل لم تكن لتقدم على عدوانها الاخير على سوريا الا لسبب من اثنين: اما ان الهدف الذي ضرب من النوع الذي لا يمكن تركه. واما ان العدوان جاء في سياق الاستعداد للحرب الكبرى. هذه الحرب التي قد لا تقتصر على سوريا. بل ستشمل لبنان وفلسطين وربما ايران ايضا. ولذلك فان الطرف الاخر، يعرف منذ اللحظة الاولى لتوقف اطلاق النار في لبنان العام الماضي. ان عدوا حاقدا في اسرائيل وادارة متهورة في الولايات المتحدة، وخنوعاً عربياً وغربياً، تعني ان الاستعداد للمواجهة المقبلة هو اولى الاولويات. وهذا ما يفرض على هذه الجبهة سلوكا مختلفا في لبنان.
وبهذا المعنى، يمكن فهم الاصرار الاميركي على تعطيل تسوية من النوع الذي يفرض شراكة تحول دون تورط قسم من اللبنانيين في مغامرة اقليمية من هذا النوع، وتحول دون توافق لا يلغي خطر المقاومة كما ترغب اميركا واسرائيل، ولا يريدون توافقا من شأنه فتح الباب امام استعادة علاقات طبيعية مع سوريا. ولا يريدون توافقا يفرض تنازلات من جانب الفريق الموالي لهم في السلطة، وهي التنازلات التي تعبر عميقا عن فشل المشروع الاميركي في لبنان وبأسرع مما توقع خصومها. ولذلك فان احدا من العاقلين يعرف انه لا مجال لتسوية سريعة في لبنان الا في حالة تراجع المشروع العدواني على سوريا وايران. وحتى حصول ذلك، فان الكلام عن الملف الرئاسي سيظل يشغل بال الناس، فيما الامور الاخطر تحصل في مكان اخر… وليس امام القوى الرافضة سوى خيار واحد: الاستعداد للمعركة!.

http://www.wa3ad.org/index.php?show=news&action=article&id=12434