07.31.07
برعاية!!!
كنت أحد المعزين القدامى على غرار المحاربين القدامى، والذين يؤمنون بأن عزاءهم يجب أن يكون للحسين وأهل بيته فقط لا لغيرهم، كنا ونحن صغار يعلموننا في الحسينيات والمآتم عن بركات خدمة الإمام الحسين وأثرها على السلوك النفسي والمجتمعي.
كنا نتنافس ونحن صغار على توزيع الشاي أو الماء، وكنا نزعل كثيراً إلى حد البكاء حين يمنعنا الكبار من حمل “صواني” الشاي خوفاً من سقوطها أو سكب الشاي الساخن على المستمعين! وكنّا حينها نمقت الكثير من الخطباء لكونهم يأخذون مبالغ كبيرة لخطابتهم وكنا نتساءل لماذا أولئك يأخذون الأجر المادي جراء قراءتهم مصيبة الإمام الحسين (ع) ونسميهم خدمة الإمام (ع)، ونجلهم بينما ما نتعلمه نظرياً بأن خدمة الإمام الحسين (ع) هم أولئك الذين يطلبون أجرهم الأخروي من الإمام الحسين (ع) أخروياً وليس مبلغاً مالياً جزيلاً دنيوياً.
ما دعاني لتذكر الماضي القريب هو نظرية “ما يطلبه المعزون” ومروري بجنب دوار كرانة أيام وفاة الإمام الهادي (ع) وإعلان دعائي عن إحياء هذه المناسبة الأليمة بمشاركة أحد الرواديد حيث كان هذا الإعلان مذيل بكلمة بأن الإحياء سيكون برعاية المؤسسة (س) والمؤسسة (ص).
نبشت ذاكرة هاتفي لأبحث عن اسم أحد الأصدقاء القدامى والذي لازال لصيقاً بالموكب الحسيني وأحد خدامه فدار الحوار التالي: (بتصرف لصياغته بالفسحة)
عنيد: مولانا السلام عليكم.
خادم الحسين: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته مولانا، أي رياح شمال ألقت بك على رقم هاتفنا.
ع: كعادتنا مولانا لا نتذكركم إلا وقت الحاجة.
خ.ح.: تفضل مولانا وكيف نستطيع خدمتكم.
ع: مولانا قبل أيامٍ مررت بأحد الشوارع ووجدت إعلان إحياء ذكرى الإمام الهادي (ع)؟
خ.ح: وماذا في ذلك؟ وهل إعلانات العزاء تثير حفيظتكم؟
ع: لا مولانا. ولِمَ قد تثير حفيظتنا؟ فكلنا تربينا تحت منابر أهل البيت وإن كنا مقصرين اتجاههم كل ما في الأمر بأننا نراهم أسمى وأكبر مما يروج له بعض الملالي، وأن رسالتهم أكبر من الحروب الدنكشوتية؟
خ.ح: إذاً ما الذي جعلك تتذكرني بسبب إعلان؟
ع: لقد كان الإعلان مطبوعاً وكبيراً لأحد الرواديد “الكبار”، وقد لفت انتباهي بأن العزاء سيكون برعاية بعض المؤسسات، فهل أفلس الإمام الحسين (ع) وأين ذهبت تبرعات أهل الخير؟
خ.ح: الإمام الحسين لم يفلس، وتبرعات أهل الخير مستمرة، ولكنه الزمن المر فهنالك بعض ممن شهرهم الإمام الحسين (ع) يقومون الآن بابتزازه؟!
ع: ابتزازه؟!!! وهل الإمام الحسين (ع) حي يرزق لكي يبتزونه؟
خ.ح: لا تتحاذق عليّ فأنت تعرف ما أقصد!
ع: صراحة لا أعلم ما تريد قوله بالضبط.
خ.ح: عزيزي، المسألة وما فيها، هل تذكر نقاشاتنا قبل سنوات حول الملالي والأموال الطائلة التي تصرف لهم؟
ع: أجل أذكر.
خ.ح: كل ما في الأمر بأن بعض الرواديد اكتشف قبل مدة بأن خدمة الإمام الحسين (ع) يمكن أن تكون كالبقرة الحلوب.
ع: حسب معرفتي السابقة بالرواديد بأنهم كانوا يهيؤون أنفسهم للسجن والتعذيب والمساءلة ليوصلوا ما يعتقدونه بأنها أهداف ثورة الإمام الحسين فمن أين أتت نظرية البقرة الحلوب؟
خ.ح: يبدو بأنك ابتعدت كثيراً عن الموكب ولم تعلم بأنه أصبح الدجاجة التي تبيض ذهباً؟
ع: ماذا؟
خ.ح: نعم إن بعض المدعين لخدمة الإمام الحسين (ع) وبعد أن اشتهروا ببركاته عليه السلام، وبعد أن منّ عليهم الله بالقبول الاجتماعي وذلك كله من بركات أهل البيت، قرروا أن يثروا على حسابه، وتكالبوا على حطام الدنيا باسم الحسين (ع) وأصبحوا يطلبون مبالغ كبيرة لإحياء ذكرى أهل البيت.
ع: ويش قاعد اتقول؟! (ماذا تقول!!)
خ.ح: نعم هم كذلك بعضهم يشترط مئات الدنانير لكي يحيي ليلة واحدة في مواكب العزاء، وبعضهم يضيف لذلك الحق الحصري لتسجيلات الشريط؟!
ع: هل هو إحياء لذكرى أهل البيت أم إحياء لأمر آخر؟ هل استطيع أن أقول بأنكم اسقطتم نظرية الثواب والعقاب، وأنه ما عادت لديكم آخرة؟ فتعملون للدنيا فقط؟
خ.ح: أعتقد أن من حقك أن تقول مثل هذا الأمر فقد أضحى المغنون قدوتهم، ولا تستغرب غداً حين تجد أحدهم ينشد للطاغوت مقابل مبلغ مالي أكبر، تصور أن أحدهم حين دعي للمشاركة في أحد المواكب تعذر بسوء الحال وصعوبة العيش فسأله المأتم كم تريد قال: 600 دينار للمشاركة الواحدة فاستكثروا هذا المبلغ وهو قد أصر عليه وحين سألوه عن التسجيلات قال كامل حقوق الشريط في الموكب تكون لي؟!! لم يترك حتى هذه للإمام الحسين حتى حقوق تسجيل وبيع الشريط طلبها لنفسه؟!!
وهل تعلم بأن أحدهم قد وافق على المشاركة في إحدى القرى لوفاة الإمام السجاد منذ بداية محرم ولكن قبل وفاة الإمام السجاد (ع) بليلتين اتصل ليعتذر لكون مأتم آخر عرض مبلغ وقدره 600 دينار عليه؟!
ع: هل أنت متأكد من هذا الأمر؟ ولماذا لا يتم فضح هذه الطفيليات على الموكب؟ وما رأي المجلس العلمائي في مثل هذه الأمور؟
خ.ح: هذا قليل من كثير هل تعتقد بأن المجلس العلمائي سيثير هذه المجموعة ضده، هل تعلم بأن بعضهم يعتبر رأس حربة للمجلس ومعبراً عن شعاراته وآخرها “فلتسقط العلمانية” أو قبلها “الأحوال الشخصية”، وأن هؤلاء من أحرص الرواديد في تلقف شعارات المجلس بعض السذج يظنون بأن أولئك الرواديد على خط المجلس العلمائي بينما المؤكد هو كونهم يتدثرون بعباءة المجلس لينالوا حصانة المجلس ويظن الناس بأن عملهم ومشاركتهم لوجه الله وخدمة لأهل البيت بينما واقعهم بأنهم عبدة العجل ويهتفون باسم من هو الأكثر شعبية لأن “هذا ما يطلبه المعزون”.
ع: “هذا ما يطلبه المعزون” أليست هذه العبارة هي التي قالها الرادود (س) حين انتقد على أدائه في أحد المواكب الكبيرة.
خ.ح: نعم هذا ما قاله حينها ولكن لم نكن نعرف بأن هذه العبارة كانت تخفي المدلولات المالية للأمر وكنا نظنها هفوة شاطر؟
ع: ولكن هذا الرادود له مشاركات كثيرة في الخارج ولا أعتقد بأنه من هذا الصنف لاسيما لوضعه المجتمعي الخاص؟
خ.ح: لا بل هو أكثرهم، في الداخل والخارج، في الأمور المادية وأمور أخرى.
ع: أمور أخرى؟!!
خ.ح: ………….
أكتفي بهذه الجزئية من الحوار الذي دار عبر الهاتف والذي كان فضائحياً بصورة أكبر مما ذكر، وبأرقام وشواهد أكثر.
ولكن أتساءل يا ترى ما مدى صدقية الشعارات التي يروج لها هؤلاء؟
وهل هي شعارات مدفوعة الأجر؟
وما مدى الشرعية الأخلاقية لهذه الممارسات؟
وهل سنشاهد في الأيام القادمة فواصل إعلانية في المواكب العزائية؟
أو نشاهد بنرات إعلانية في مقدمة الموكب ومؤخرته للمؤسسات الراعية للعزاء؟
وهل رواديد “البيزات” سيقفون في وجه الطاغية أم أن ذلك قد يؤثر على “البزنزس” الخاص بهم؟
وهل سنشاهد متعهدي حفلات ومديري أعمال لرواديد “البزنزس”؟
وهل من المنتظر أن يصبح موكب الحسين مجال لتخدير الناس أو ربما خصخصة العزاء ليكون لمصلحة من يدفع أكثر؟